فصل: ضمّ الذّهب إلى الفضّة في تكميل النّصاب، وضمّ عروض التّجارة إليهما

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


زكاة المال الحرام

37 - المال الحرام كالمأخوذ غضبًا أو سرقةً أو رشوةً أو ربًا أو نحو ذلك ليس مملوكًا لمن هو بيده، فلا تجب عليه زكاته‏;‏ لأنّ الزّكاة تمليك، وغير المالك لا يكون منه تمليك‏;‏ ولأنّ الزّكاة تطهّر المزكّي وتطهّر المال المزكّى لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خذ من أموالهم صدقةً تطهّرهم وتزكّيهم بها‏}‏ وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏لا يقبل اللّه صدقةً من غلولٍ‏}‏‏.‏ والمال الحرام كلّه خبث لا يطهر، والواجب في المال الحرام ردّه إلى أصحابه إن أمكن معرفتهم وإلاّ وجب إخراجه كلّه عن ملكه على سبيل التّخلّص منه لا على سبيل التّصدّق به، وهذا متّفق عليه بين أصحاب المذاهب‏.‏ قال الحنفيّة‏:‏ لو كان المال الخبيث نصابًا لا يلزم من هو بيده الزّكاة‏;‏ لأنّه يجب إخراجه كلّه فلا يفيد إيجاب التّصدّق ببعضه‏.‏ وفي الشّرح الصّغير للدّردير من المالكيّة‏:‏ تجب الزّكاة على مالك النّصاب فلا تجب على غير مالكٍ كغاصبٍ ومودعٍ‏.‏ وقال الشّافعيّة كما نقله النّوويّ عن الغزاليّ وأقرّه‏:‏ إذا لم يكن في يده إلاّ مال حرام محض فلا حجّ عليه ولا زكاة، ولا تلزمه كفّارة ماليّة‏.‏ وقال الحنابلة‏:‏ التّصرّفات الحكميّة للغاصب في المال المغصوب تحرم ولا تصحّ، وذلك كالوضوء من ماءٍ مغصوبٍ والصّلاة بثوبٍ مغصوبٍ أو في مكان مغصوبٍ، وكإخراج زكاة المال المغصوب، والحجّ منه، والعقود الواردة عليه كالبيع والإجارة‏.‏ وعلى القول بأنّ المال المغصوب يدخل في ملك الغاصب في بعض الصّور كأن اختلط بماله ولم يتميّز فإنّه يكون بالنّسبة للغاصب مالًا زكويًّا، إلاّ أنّه لمّا كان الدّين يمنع الزّكاة، والغاصب مدين بمثله أو قيمته، فإنّ ذلك يمنع الزّكاة فيه‏.‏ قال ابن عابدين‏:‏ من ملك أموالًا غير طيّبةٍ أو غصب أموالًا وخلطها، ملكها بالخلط ويصير ضامنًا، وإن لم يكن له سواها نصاب فلا زكاة عليه فيها وإن بلغت نصابًا لأنّه مديون وأموال المدين لا تنعقد سببًا لوجوب الزّكاة عند الحنفيّة، فوجوب الزّكاة مقيّد بما إذا كان له نصاب سواها، ولا يخفى أنّ الزّكاة حينئذٍ إنّما تجب فيما زاد عليها لا فيها‏.‏ ثمّ إنّ المال المغصوب الّذي لا يقدر صاحبه على أخذه لا زكاة عليه فيه، ومتى قدر صاحبه عليه فقيل‏:‏ ليس عليه زكاة لما مضى من السّنين لأنّه كان محجوزًا عنه ولم يكن قادرًا على استنمائه ‏(‏تنميته‏)‏ فكان ملكه ناقصًا، وقيل‏:‏ عليه زكاته لما مضى، وهذا مذهب الشّافعيّة في الجديد‏.‏ وقال الحنابلة‏:‏ يخرج زكاته ويعود بها على الغاصب، وليس ذلك عند الحنابلة من باب تزكية الغاصب للمال الحرام، وإنّما ذلك لأنّه نقص حصل في المال وهو بيد الغاصب أشبه ما لو تلف بعضه‏.‏

القسم الثّاني الأصناف الّتي تجب فيها الزّكاة وأنصبتها ومقادير الزّكاة في كلٍّ منها

أوّلًا‏:‏ زكاة الحيوان

38 - أجمع الفقهاء على أنّ الإبل والبقر والغنم هي من الأصناف الّتي تجب فيها الزّكاة، واستدلّوا لذلك بأحاديث كثيرةٍ، منها حديث أبي هريرة المتقدّم في مسألة الحكم التّكليفيّ للزّكاة، وفي الخيل خلاف، وأمّا البغال والحمير وغيرها من أصناف الحيوان فليس فيها زكاة ما لم تكن للتّجارة‏.‏

شروط وجوب الزّكاة في الحيوان‏:‏ يشترط في الماشية لوجوب الزّكاة فيها تمام الحول، وكونها نصابًا فأكثر، بالإضافة إلى سائر الشّروط المتقدّم بيانها لوجوب الزّكاة في الأموال عامّةً على التّفصيل المتقدّم‏.‏ ويشترط هنا شرطان آخران‏:‏

39 - الأوّل‏:‏ السّوم‏:‏ ومعناه أن يكون غذاؤها على الرّعي من نبات البرّ، فلو كانت معلوفةً لم تجب فيها الزّكاة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏;‏ لأنّ في المعلوفة تتراكم المئونة، فينعدم النّماء من حيث المعنى، واستدلّوا لذلك بما في حديث بهز بن حكيمٍ عن أبيه عن جدّه مرفوعًا‏:‏ ‏{‏في كلّ سائمة إبلٍ في كلّ أربعين بنت لبونٍ‏}‏‏.‏ وحديث‏:‏ ‏{‏في كلّ خمسٍ من الإبل السّائمة شاة‏}‏‏.‏ فدلّ بمفهومه على أنّ المعلوفة لا زكاة فيها‏.‏ ثمّ اختلف القائلون بهذا، فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ السّائمة هي الّتي تكتفي بالرّعي في أكثر الحول، فلو علفها صاحبها نصف الحول أو أكثر كانت معلوفةً ولم تجب زكاتها لأنّ القليل تابع للكثير‏;‏ ولأنّ أصحاب السّوائم لا يجدون بدًّا من أن يعلفوا سوائمهم في بعض الأوقات كأيّام البرد والثّلج‏.‏ وذهب الشّافعيّة على الأصحّ إلى أنّ الّتي تجب فيها الزّكاة هي الّتي ترعى كلّ الحول، وكذا إن علفت قدرًا قليلًا تعيش بدونه بلا ضررٍ بيّنٍ تجب فيها الزّكاة، فإن علفت أكثر من ذلك فلا زكاة فيها‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّ الزّكاة تجب في الأنعام غير السّائمة كوجوبها في السّائمة حتّى لو كانت معلوفةً كلّ الحول‏.‏ قالوا‏:‏ والتّقييد في الحديث بالسّائمة لأنّ السّوم هو الغالب على مواشي العرب، فهو قيد اتّفاقيّ لبيان الواقع لا مفهوم له‏.‏ نظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وربائبكم اللّاتي في حجوركم‏}‏ فإنّها تحرم ولو لم تكن في الحجر‏.‏

40 - الشّرط الثّاني‏:‏ أن لا تكون عاملةً، فالإبل المعدّة للحمل والرّكوب، والنّواضح، وبقر الحرث والسّقي لا زكاة فيها ولو كانت سائمةً‏.‏ هذا مذهب الحنفيّة، وهو قول الشّافعيّة في الأصحّ ومذهب الحنابلة، واستدلّوا بحديث‏:‏ ‏{‏ليس في العوامل والحوامل والبقر المثيرة شيء‏}‏‏.‏ والحوامل هي المعدّة لحمل الأثقال، والبقر المثيرة هي بقر الحرث الّتي تثير الأرض، ولحديث‏:‏ ‏{‏ليس في البقر العوامل شيء‏}‏‏.‏ وذهب المالكيّة وهو قول آخر للشّافعيّة‏:‏ إلى أنّ العمل لا يمنع الزّكاة في الماشية لعموم قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏في كلّ خمس ذودٍ شاة‏}‏‏.‏ ولأنّ استعمال السّائمة زيادة رفقٍ ومنفعةٍ تحصل للمالك فلا يقتضي ذلك منع الزّكاة، بل تأكيد إيجابها‏.‏

41 - الشّرط الثّالث‏:‏ بلوغ السّاعي إن كان هناك ساعٍ، فإن لم يكن هناك ساعٍ فلا يشترط هذا الشّرط بل يكتفى بمرور الحول‏.‏ وهذا الشّرط للمالكيّة خاصّةً‏.‏ وبنوا عليه أنّه إذا مات شيء من المواشي أو ضاع بغير تفريطٍ من المالك بعد الحول وقبل مجيء السّاعي فلا زكاة فيه، وإنّما يزكّى الباقي إن كان فيه الزّكاة وإلاّ فلا‏.‏ ولو مات ربّ الماشية قبل بلوغ السّاعي فلا زكاة، ويستقبل الوارث حولًا، ولا تجزئ إن أخرجها قبل وصول السّاعي‏.‏ قالوا‏:‏ وإن سأل السّاعي ربّ الماشية عن عددها فأخبره بعددها فغاب عنه ثمّ رجع إليه فوجدها قد زادت أو نقصت بموت شيءٍ منها - أو بذبحه - فالمعتبر الموجود‏.‏ وإن تخلّف السّاعي عن الوصول مع إمكان وصوله وكان تخلّفه لعذرٍ أو لغير عذرٍ فأخرج المالك الزّكاة أجزأه وإن لم تجب عليه بمجرّد مرور الحول، وإنّما يصدّق ببيّنته‏.‏

الزّكاة في الوحشيّ من بهيمة الأنعام والمتولّد بين الأهليّ والوحشيّ

42 - ذهب جمهور العلماء ومنهم الحنابلة في الأصحّ عندهم، إلى أنّه لا زكاة في الوحشيّ من الإبل والبقر والغنم، وذلك لأنّ اسم الإبل والبقر والغنم لا يتناولها عند الإطلاق‏;‏ ولأنّها لا تجزئ في الهدي والأضحيّة‏.‏ وفي روايةٍ أخرى عن أحمد فيها الزّكاة، لأنّ الاسم يشملها فتدخل في الأخبار الواردة‏.‏ وأمّا ما تولّد بين الأهليّ والوحشيّ فإنّ مذهب أبي حنيفة وهو قول مرويّ عن مالكٍ أنّه إن كانت الوحشيّة أمّه فلا زكاة فيه، وإن كانت أمّه أهليّةً والوحشيّ أباه ففيه الزّكاة‏;‏ لأنّ ولد البهيمة يتبع أمّه في أحكامه‏.‏ وقال الشّافعيّ، وهو القول المشهور عند المالكيّة‏:‏ لا زكاة في المتولّد بين الأهليّ والوحشيّ مطلقًا، ومال إليه ابن قدامة من الحنابلة‏;‏ لأنّه ليس في أخذ الزّكاة منها نصّ ولا إجماع ولا قياس صحيح، فلا تتناوله نصوص الشّرع‏.‏ وقال الحنابلة وهو قول ثالث عند المالكيّة‏:‏ تجب الزّكاة في المتولّد مطلقًا، سواء كانت الوحشيّة الفحول أو الأمّهات، كما إنّ المتولّد بين السّائمة والمعلوفة تجب فيه الزّكاة إذا سام‏.‏

أ - ‏(‏زكاة الإبل‏)‏‏:‏

43 - الإبل اسم جمعٍ ليس له مفرد من لفظه وواحده الذّكر‏:‏ جمل، والأنثى‏:‏ ناقة، والصّغير حوار إلى سنةٍ، وإذا فطم فهو فصيل، والبكر هو الفتيّ من الإبل والأنثى بكرة‏.‏ وللعرب تسميات للإبل بحسب أسنانها ورد استعمالها في السّنّة واستعملها الفقهاء، كابن المخاض، وهو ما أتمّ سنةً ودخل في الثّانية، سمّي بذلك لأنّ أمّه تكون غالبًا قد حملت، والأنثى بنت مخاضٍ، وابن اللّبون وهو ما أتمّ سنتين ودخل في الثّالثة، سمّي بذلك لأنّ أمّه تكون قد ولدت بعده فهي ذات لبنٍ، والأنثى بنت لبونٍ، والحقّ ما دخل في الرّابعة، والأنثى حقّة، سمّيت بذلك لأنّها استحقّت أن يطرقها الفحل، والجذع هو الّذي دخل في الخامسة‏;‏ لأنّه جذع أي أسقط بعض أسنانه، والأنثى جذعة‏.‏ وهذه الأنواع الأربعة هي الّتي تؤخذ الإناث منها في الدّية، وقد يؤخذ الذّكور منها كابن اللّبون، على تفصيلٍ يذكر فيما يلي‏.‏ المقادير الواجبة في زكاة الإبل‏:‏

44 - بيّن النّبيّ صلى الله عليه وسلم المقادير الواجبة في زكاة الإبل، وهي في حديث البخاريّ المذكور فيما يلي بكماله لكثرة الحاجة إليه في المسائل التّالية‏:‏ عن أنسٍ رضي الله عنه أنّ ‏{‏أبا بكرٍ رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب لمّا وجّهه إلى البحرين بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ هذه فريضة الصّدقة الّتي فرض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والّتي أمر اللّه بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط‏:‏ في أربعٍ وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كلّ خمسٍ شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين ففيها بنت مخاضٍ أنثى، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمسٍ وأربعين ففيها بنت لبونٍ أنثى، فإذا بلغت ستًّا وأربعين إلى ستّين ففيها حقّة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدةً وستّين إلى خمسٍ وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت - يعني ستًّا وسبعين - إلى تسعين ففيها بنتا لبونٍ، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائةٍ ففيها حقّتان طروقتا الجمل‏.‏ فإذا زادت على عشرين ومائةٍ ففي كلّ أربعين بنت لبونٍ، وفي كلّ خمسين حقّة‏.‏ ومن لم يكن معه إلاّ أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلاّ أن يشاء ربّها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة‏.‏ وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائةٍ شاة‏.‏ فإذا زادت على عشرين ومائةٍ إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائةٍ ففيها ثلاث، فإذا زادت على ثلاثمائةٍ ففي كلّ مائةٍ شاة، فإذا كانت سائمة الرّجل ناقصةً من أربعين شاةً واحدةً فليس فيها صدقة إلاّ أن يشاء ربّها‏.‏ وفي الرّقّة ربع العشر، فإن لم تكن إلاّ تسعين ومائةً فليس فيها شيء إلاّ أن يشاء ربّها‏}‏‏.‏ وفي موضعٍ آخر روى البخاريّ من حديث أنسٍ أنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كتب له فريضة الصّدقة الّتي أمر اللّه رسوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقّة فإنّها تقبل منه الحقّة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا‏.‏ ومن بلغت عنده صدقة الحقّة وليست عنده الحقّة وعنده الجذعة فإنّها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدّق عشرين درهمًا أو شاتين‏.‏ ومن بلغت عنده صدقة الحقّة وليست عنده إلاّ بنت لبونٍ فإنّها تقبل منه بنت لبونٍ ويعطي شاتين أو عشرين درهمًا‏.‏ ومن بلغت صدقته بنت لبونٍ وعنده حقّة فإنّها تقبل منه الحقّة ويعطيه المصدّق عشرين درهمًا أو شاتين‏.‏ ومن بلغت صدقته بنت لبونٍ وليست عنده، وعنده بنت مخاضٍ فإنّها تقبل منه بنت مخاضٍ، ويعطي معها عشرين درهمًا أو شاتين‏}‏‏.‏

45 - وبناءً على هذا الحديث، تؤخذ الزّكاة من الإبل حسب الجدول التّالي‏:‏ عدد الإبل القدر الواجب من 1 - إلى 4 ليس فيها شيء‏.‏ من 5 - 9 فيها شاة واحدة‏.‏ من 10 - 14 فيها شاتان من 15 - 19 فيها 3 شياهٍ من 20 - 24 فيها 4 شياهٍ من 25 - 35 فيها بنت مخاضٍ ‏(‏فإن لم يوجد فيها بنت مخاضٍ يجزئ ابن لبونٍ ذكر‏)‏‏.‏ من 36 - 45 بنت لبونٍ من 46 - 60 حقّة من 61 - 75 فيها جذعة من 76 - 90 فيها بنتا لبونٍ من 91 - 120 فيها حقّتان من 121 - 129 فيها 3 بنات لبونٍ من 130 - 139 فيها حقّة وبنتا لبونٍ من 140 - 149 حقّتان وبنت لبونٍ من 150 - 159 فيها 3 حقاقٍ من 160 - 169 فيها 4 بنات لبونٍ وهكذا في ما زاد، في كلّ 40 بنت لبونٍ، وفي كلّ 50 حقّة‏.‏ وهذا الجدول جارٍ على مذهب الشّافعيّة، ورواية في مذهب الحنابلة، وهو قول الأوزاعيّ وإسحاق، وأوّله إلى 120 مجمع عليه، لتناول حديث أنسٍ له، وعدم الاختلاف في تفسيره‏.‏ واختلف فيما بين 121 - 129 فقال مالك يتخيّر السّاعي بين حقّتين وثلاث بنات لبونٍ، وذهب أبو عبيدٍ، وهو الرّواية الأخرى عن أحمد إلى أنّ فيها حقّتين‏;‏ لأنّ الفرض لا يتغيّر إلاّ بمائةٍ وثلاثين‏.‏ 46 - وذهب الحنفيّة إلى أنّ الفريضة تستأنف بعد 120، ففي كلّ خمسٍ ممّا زاد عليها شاة بالإضافة إلى الحقّتين، فإن بلغ الزّائد ما فيه بنت مخاضٍ أو بنت لبونٍ وجبت إلى أن يبلغ الزّائد ما فيه حقّة فتجب، ويمثّل ذلك الجدول التّالي‏:‏ عدد الإبل القدر الواجب 121 - 124 حقّتان 125 - 129 حقّتان وشاة 130 - 134 حقّتان وشاتان 135 - 139 حقّتان و 3 شياهٍ 140 - 144 حقّتان و 4 شياهٍ 145 - 149 حقّتان وبنت مخاضٍ 150 - 154 3 حقاقٍ 155 - 159 3 حقاقٍ وشاة 160 - 164 3 حقاقٍ وشاتان 165 - 169 3 حقاقٍ و 3 شياهٍ 170 - 174 3 حقاقٍ و 4 شياهٍ 175 - 185 3 حقاقٍ وبنت مخاضٍ 186 - 195 3 حقاقٍ وبنت لبونٍ 196 - 199 4 حقاقٍ 200 - 204 4 حقاقٍ أو 5 بنات لبونٍ 205 - 209 4 حقاقٍ أو بنات لبونٍ وشاة وهكذا‏.‏ واحتجّوا بما في حديث قيس بن سعدٍ أنّه قال‏:‏ قلت لأبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزمٍ‏:‏ أخرج لي كتاب الصّدقات الّذي كتبه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ فأخرج كتابًا في ورقةٍ وفيه‏:‏ ‏{‏فإذا زادت الإبل على مائةٍ وعشرين استؤنفت الفريضة‏}‏‏.‏

وفي زكاة الإبل مسائل فرعيّة منها

47 - أ - أنّ الّذي يؤخذ في زكاة الإبل الإناث دون الذّكور، إلاّ ابن اللّبون إن عدم بنت المخاض كما في الحديث المتقدّم، بخلاف البقر فتؤخذ منها الذّكور كما يأتي‏.‏ فإن كان المال كلّه ذكورًا أجزأ الذّكر على الأصحّ عند الشّافعيّة وهو المقدّم عند الحنابلة، وعند المالكيّة يلزم الوسط ولو انفرد الذّكور، والظّاهر أنّه يريدون ناقةً وسطًا من السّنّ المطلوب‏.‏

48 - ب - أنّ الشّاة الّتي تؤخذ في زكاة الإبل إن كانت أنثى ‏(‏جذعة من الضّأن، أو ثنيّة من المعز فما فوق ذلك‏)‏ أجزأت بلا نزاعٍ‏.‏ وأمّا الذّكر، فيحتمل أن يجزئ لصدق اسم الشّاة عليه، وهو المعتمد عند المالكيّة، والأصحّ عند الشّافعيّة‏.‏

ج - إن تطوّع المزكّي فأخرج عمّا وجب عليه سنًّا أعلى من السّنّ الواجب جاز، مثل أن يخرج بدل بنت المخاض بنت لبونٍ أو حقّةً أو جذعةً، أو عن بنت اللّبون حقّةً أو جذعةً‏.‏ قال ابن قدامة‏:‏ لا نعلم في ذلك خلافًا‏.‏ لما في حديث أبيّ بن كعبٍ ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لمن قدّم ناقةً عظيمةً سمينةً عن بنت مخاضٍ‏:‏ ذاك الّذي عليك‏.‏ فإن تطوّعت بخيرٍ آجرك اللّه فيه، وقبلناه منك‏}‏‏.‏

- د - إن أخرج بدل الشّاة ناقةً أجزأه، وكذا عمّا وجب من الشّياه فيما دون خمسٍ وعشرين‏;‏ لأنّه يجزئ عن 25، فإجزاؤه عمّا دونها أولى‏.‏ وهذا مذهب أبي حنيفة والشّافعيّ، وهو الأصحّ عند المالكيّة، وذهب الحنابلة إلى أنّه لا يجزئ، لأنّه أخرج عن المنصوص عليه غيره من غير جنسه فلم يجزئه، كما لو أخرج عن أربعين من الغنم بعيرًا‏.‏

هـ - ذهب الشّافعيّة والحنابلة والنّخعيّ وابن المنذر إلى أنّ من وجب عليه في إبله سنّ فلم يكن في إبله ذلك السّنّ فله أن يخرج من السّنّ الّذي فوقه ممّا يؤخذ في زكاة الإبل، ويأخذ من السّاعي شاتين أو عشرين درهمًا، أو أن يخرج من السّنّ الّذي تحته ممّا يجزئ في الزّكاة ويعطي السّاعي معها شاتين أو عشرين درهمًا‏.‏ واستدلّوا بما في حديث أنسٍ المتقدّم بيانه‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّ المزكّي إذا لم يكن عنده السّنّ الواجب، أو كان عنده فله أن يدفع قيمة ما وجب، أو يدفع السّنّ الأدون وزيادة الدّراهم بقدر النّقص، كما لو أدّى ثلاث شياهٍ سمانٍ عن أربعٍ وسطٍ، أو بعض بنت لبونٍ عن بنت مخاضٍ، وذلك على أصلهم في جواز إخراج القيمة في الزّكاة‏.‏

نصاب زكاة البقر والقدر الواجب

51 - بيّنت السّنّة نصاب زكاة البقر والقدر الواجب، وذلك فيما روى مسروق ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كلّ حالمٍ دينارًا، ومن البقر من كلّ ثلاثين تبيعًا، ومن كلّ أربعين مسنّةً‏}‏‏.‏ وروي عن معاذٍ رضي الله عنه نحو ذلك، وفي حديثه ‏{‏وأمرني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئًا إلاّ إن بلغ مسنّةً أو جذعًا - يعني تبيعًا - وأنّ الأوقاص لا شيء فيها‏}‏‏.‏ 52 - وبناءً على الحديثين المذكورين تؤخذ زكاة البقر حسب الجدول التّالي‏:‏ عدد البقر القدر الواجب 1 - 29 لا شيء فيها 30 - 39 تبيع ‏(‏أو تبيعة‏)‏ 40 - 59 مسنّة 60 - 69 تبيعان 70 - 79 تبيع ومسنّة 80 - 89 تبيعان 90 - 99 3 أتبعةٍ 100 - 109 تبيعان ومسنّة 110 - 119 تبيع ومسنّتان 120 - 129 4 أتبعةٍ أو 3 مسنّاتٍ‏.‏ وهكذا في كلّ ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كلّ أربعين مسنّة‏.‏ وعلى هذا تجري مذاهب جماهير العلماء، وفي ذلك خلاف في بعض المواضع، منها‏:‏

53 - أ - ذهب سعيد بن المسيّب والزّهريّ خلافًا لسائر الفقهاء، إلى أنّ في البقر من ‏(‏5 - 24‏)‏ في كلّ خمسٍ شاة قياسًا على زكاة الإبل‏;‏ لأنّ البقرة تعدل ناقةً في الهدي والأضحيّة‏.‏ 54 - ب - ومنها‏:‏ أخذ الذّكر في زكاة البقر‏:‏ أمّا التّبيع الذّكر فيؤخذ اتّفاقًا، فهو بمنزلة التّبيعة، للنّصّ عليه في حديث أنسٍ، وأمّا المسنّ الذّكر فمذهب الحنفيّة أنّه يجوز أخذه‏.‏ ومذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة لا يؤخذ إلاّ المسنّة الأنثى لأنّ النّصّ ورد فيها‏.‏ 55 - ج - ومنها في الأسنان، فالتّبيع عند الجمهور ما تمّ له سنة وطعن في الثّانية، والمسنّة ما تمّ لها سنتان وطعنت في الثّالثة، وعند المالكيّة التّبيع ما تمّ له سنتان ودخل في الثّالثة، والمسنّة ما تمّ لها ثلاث سنين ودخلت في الرّابعة‏.‏ 56 - د - ومنها أنّ الوقص الّذي من ‏(‏41 - 59‏)‏ لا شيء فيه عند الجمهور، وهو رواية عن أبي حنيفة وقول الصّاحبين، وهو المختار عند الحنفيّة لظاهر ما تقدّم من الحديث‏.‏ وذهب أبو حنيفة في ظاهر الرّواية إلى أنّ ما زاد على الأربعين ليس عفوًا، بل يجب فيه بحسابه، ففي الواحدة الزّائدة عن الأربعين ربع عشر مسنّةٍ، وفي الثّنتين نصف عشر مسنّةٍ، وهكذا، وإنّما قال هذا فرارًا من جعل الوقص ‏(‏19‏)‏ وهو مخالف لجميع أوقاص زكاة البقر، فإنّ جميع أوقاصها تسعة تسعة‏.‏

زكاة الغنم

57 - زكاة الغنم واجبة بالسّنّة والإجماع، فممّا ورد فيها حديث أنسٍ المتقدّم ذكره في زكاة الإبل‏.‏ ‏(‏ف 46‏)‏‏.‏ وبناءً على الحديث المذكور تؤخذ زكاة الغنم طبقًا للجدول التّالي‏:‏ عدد الغنم القدر الواجب 1 - 39 لا شيء فيها 40 - 120 شاة 121 - 200 شاتان 201 - 399 3 شياهٍ 400 - 499 4 شياهٍ 500 - 599 5 شياهٍ وهكذا ما زاد عن ذلك في كلّ مائة شاةٍ شاة مهما كان قدر الزّائد‏.‏ وعلى هذا تجري مذاهب جمهور الفقهاء، وأوّل هذا الجدول وآخره مجمع عليه‏.‏ 58 - واختلف فيه فيما بين ‏(‏300 - 399‏)‏ فقد ذهب النّخعيّ وأبو بكرٍ من الحنابلة إلى أنّ فيه أربع شياهٍ لا ثلاثةً، ثمّ لا يتغيّر القدر الواجب إلى ‏(‏500‏)‏ فيكون فيها خمس شياهٍ كقول الجمهور، واستدلّ هؤلاء بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث أنسٍ المتقدّم جعل الثّلاثمائة حدًّا لما تجب فيه الشّياه الثّلاثة فوجب أن يتغيّر الفرض عندها فيجب أربعة‏.‏

وفي زكاة الغنم مسائل خاصّة بها‏.‏ 59 - أ - منها أنّ الشّاة تصدق على الذّكر والأنثى ومن هنا ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى جواز إخراج الذّكر في زكاة الغنم، ولأنّ الشّاة إذا أمر بها مطلقًا أجزأ فيها الذّكر كالأضحيّة والهدي‏.‏ وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الغنم إن كانت إناثًا كلّها أو كان فيها ذكور وإناث فيتعيّن إخراج الإناث‏.‏ وذهب الحنابلة كذلك إلى أنّه لا يجوز إخراج الذّكر في صدقة الغنم إذا كان في النّصاب شيء من الإناث‏.‏

ب - الّذي يؤخذ في صدقة الغنم هو الثّنيّة، والثّنيّ في اصطلاح الفقهاء - خلافًا لما عند أهل اللّغة - ما تمّ له سنة فما زاد، فتجزئ اتّفاقًا، فإن كانت أقلّ من ذلك لم تجزئ سواء كانت من الضّأن أو المعز، وهذا قول أبي حنيفة، واحتجّ له بأنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال للسّاعي‏:‏ اعتدّ عليهم بالسّخلة ولا تأخذها منهم‏.‏ وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الجذعة - وهي ما تمّ لها ستّة أشهرٍ - إن كانت من الضّأن - لا من المعز - تجزئ في الزّكاة، وقال الصّاحبان‏:‏ يجزئ الجذع من الضّأن سواء كان الجذع ذكرًا أو أنثى، وهو رواية عن أبي حنيفة، واختلفوا في سنّ الجذع نحوًا من اختلاف أصحاب مالكٍ فيه، وقال مالك‏:‏ تجزئ الجذعة سواء أكانت من الضّأن أو المعز، لكن اختلف أصحاب مالكٍ في سنّ الجذع، فقال بعضهم‏:‏ أدناه سنة، وقيل‏:‏ عشرة أشهرٍ، وقيل‏:‏ ثمانية، وقيل‏:‏ ستّة‏.‏

مسائل عامّة في زكاة الإبل والبقر والغنم

61 - أ - كلّ جنسٍ من الإبل والبقر والغنم ينقسم إلى نوعين، فالإبل نوعان‏:‏ العراب وهي الإبل العربيّة، وهي ذات سنامٍ واحدٍ، والبخاتيّ ‏(‏جمع بختيّةٍ‏)‏ وهي إبل العجم والتّرك، وهي ذات سنامين‏.‏ والبقر نوعان‏:‏ البقر المعتاد، والجواميس‏.‏ والغنم‏:‏ إمّا ضأن، وهي ذوات الصّوف، واحدتها ضأنة، وإمّا معز، وهي ذوات الشّعر، واحدتها عنز، والذّكر تيس، ويقال للذّكر والأنثى من الضّأن والمعز‏:‏ شاة‏.‏ والمقادير الواجبة في الجداول السّابقة تشمل من كلّ جنسٍ نوعيه، ويضمّ أحدهما إلى الآخر في تكميل النّصاب إجماعًا‏.‏ أمّا من أيّ النّوعين تؤخذ الزّكاة ففيه تفصيل‏.‏ 62 - ب - فإن كان عنده أحد النّوعين فزكاته منه تجزئه اتّفاقًا، أمّا إن أخرج عن الإبل العراب مثلًا بختيّةً بقيمة العربيّة فجائز أيضًا، وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة، وكذلك المعتمد عند المالكيّة، لكن لا يشترط عندهم رعاية القيمة‏.‏ وقيل‏:‏ لا يجوز‏;‏ لأنّ فيه تفويت صفةٍ مقصودةٍ، وهو قول القاضي من الحنابلة‏.‏ وقال الحنفيّة‏:‏ الواجب إخراج الزّكاة من النّوع الّذي عنده‏.‏ 63 - ج - أمّا إن اختلف النّوعان‏:‏ فقد قال الحنفيّة وإسحاق‏:‏ إذا اختلف النّوعان تجب الزّكاة من أكثرهما، فإن استويا فعند الحنفيّة يجب الوسط أي أعلى الأدنى، أو أدنى الأعلى، وإذا علم الواجب فالقاعدة عندهم جواز شيءٍ بقيمته سواء من النّوع الآخر أو غيره‏.‏ وقال الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ يؤخذ من كلّ نوعٍ ما يخصّه، فلو كانت إبله كلّها مهريّةً أو أرحبيّةً أخذ الفرض من جنس ما عنده، وهذا هو الأصل‏;‏ لأنّها أنواع تجب فيها الزّكاة، فتؤخذ زكاة كلّ نوعٍ منه، كأنواع الثّمرة والحبوب، قالوا‏:‏ فلو أخذ عن الضّأن معزًا، أو عكسه جاز في الأصحّ بشرط رعاية القيمة، وفي قولٍ عند الشّافعيّة‏:‏ يؤخذ الضّأن عن المعز دون العكس، وعراب البقر عن الجواميس دون العكس‏;‏ لأنّ الضّأن والعراب أشرف‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ إن وجبت واحدة في نوعين فمن الأكثر، فإن تساويا خيّر السّاعي، وإن وجب ثنتان أخذ من كلّ نوعٍ واحدةً إن تساويا، فإن لم يتساويا لم يأخذ من الأقلّ إلاّ بشرطين‏:‏ كونه نصابًا لو انفرد، وكونه غير وقصٍ‏.‏ وإذا زادت عن ذلك وأمكن أن يؤخذ من كلّ نوعٍ بانفراده أخذ منه، وما لم يمكن يضمّ بعضه إلى بعضٍ، فيأخذ من الأكثر، ويخيّر السّاعي عند التّساوي ففي 340 من الضّأن و 160 من المعز يؤخذ ثلاث من الضّأن عن ثلاثمائة ضأنةٍ، وواحدة من المعز عن المائة، وتؤخذ عنز واحدة عن الأربعين ضأنةً والسّتّين من المعز‏;‏ لأنّ المعز أكثر فإن كانت 350 من الضّأن و 150 من المعز خيّر السّاعي في المائة المجتمعة بين ضأنةٍ وعنزٍ‏.‏

صفة المأخوذ في زكاة الماشية

64 - ينبغي أن يكون المأخوذ في الزّكاة من الوسط، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ثلاث من فعلهنّ فقد طعم طعم الإيمان‏:‏ من عبد اللّه وحده، وأنّه لا إله إلاّ اللّه، وأعطى زكاة ماله طيّبةً بها نفسه رافدةً عليه كلّ عامٍ، لا يعطي الهرمة، ولا الدّرنة، ولا المريضة، ولا الشّرط اللّئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإنّ اللّه لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشرّه‏}‏‏.‏ الحديث‏.‏ وهذا يقتضي أمرين‏:‏ الأوّل‏:‏ أن يتجنّب السّاعي طلب خيار المال، ما لم يخرجه المالك طيّبةً به نفسه، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم للسّاعي‏:‏ ‏{‏إيّاك وكرائم أموالهم‏}‏‏.‏ قال عمر رضي الله عنه لساعيه‏:‏ لا تأخذ الرّبى، ولا الماخض، ولا الأكولة، ولا فحل الغنم والرّبى هي القريبة العهد بالولادة‏;‏ لأنّها تربّي ولدها‏.‏ والماخض الحامل، والأكولة الّتي تأكل كثيرًا‏;‏ لأنّها تكون أسمن، وفحل الغنم هو المعدّ للضّراب‏.‏ فإن كانت ماشية الرّجل كلّها خيارًا، فقد اختلف الفقهاء فقيل‏:‏ يأخذ السّاعي من أوسط الموجود، وقيل‏:‏ يكلّف شراء الوسط من ذلك الجنس‏.‏ الأمر الثّاني‏:‏ أن لا يكون المأخوذ من شرار المال، ومنه المعيبة، والهرمة، والمريضة، لكن إن كانت كلّها معيبةً أو هرمةً أو مريضةً، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنّه يجوز إخراج الواجب منها، وقيل‏:‏ يكلّف شراء صحيحةٍ أخذًا بظاهر النّهي الوارد في الحديث، وقيل‏:‏ يخرج صحيحةً مع مراعاة القيمة‏.‏

زكاة الخيل

65 - ذهب جمهور الفقهاء ومنهم صاحبا أبي حنيفة إلى أنّ الخيل الّتي ليست للتّجارة لا زكاة فيها ولو كانت سائمةً واتّخذت للنّماء، وسواء كانت عاملةً أو غير عاملةٍ، واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قد عفوت عن صدقة الخيل والرّقيق‏}‏‏.‏ وذهب أبو حنيفة وزفر إلى أنّ الخيل إذا كانت سائمةً ذكورًا وإناثًا ففيها الزّكاة، وليس في ذكورها منفردةً زكاة، لأنّها لا تتناسل، وكذلك في الإناث منفرداتٍ، وفي روايةٍ عن أبي حنيفة في الإناث المنفردات زكاة لأنّها تتناسل بالفحل المستعار، وروي عنه أيضًا أنّها تجب في الذّكور المنفردات أيضًا‏.‏ واحتجّ له بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم ‏{‏في الخيل‏:‏ هي لرجلٍ أجر، ولرجلٍ ستر، وعلى رجلٍ وزر‏}‏ فساق الحديث إلى أن قال في الّذي هي له ستر‏:‏ ‏{‏ولم ينس حقّ اللّه في رقابها ولا في ظهورها‏}‏ فحقّ ظهورها العاريّة، وحقّ رقابها الزّكاة، وبما ورد عن يعلى بن أميّة أنّ أخاه عبد الرّحمن بن أميّة اشترى من أهل اليمن فرسًا أنثى بمائة قلوصٍ، فندم البائع، فلحق بعمر، فقال‏:‏ غصبني يعلى وأخوه فرسًا لي، فكتب عمر إلى يعلى أن الحق بي، فأتاه فأخبره الخبر، فقال‏:‏ إنّ الخيل لتبلغ هذا عندكم ‏؟‏، ما علمت أنّ فرسًا يبلغ هذا‏.‏ فنأخذ عن كلّ أربعين شاةٍ شاةً ولا نأخذ من الخيل شيئًا ‏؟‏، خذ من كلّ فرسٍ دينارًا‏.‏ فقرّر على الخيل دينارًا دينارًا‏.‏ وعن الزّهريّ أنّ عثمان رضي الله عنه كان يصدّق الخيل، أي يأخذ زكاةً منها، ثمّ قال أبو حنيفة‏:‏ إن شاء المزكّي أعطى عن كلّ فرسٍ دينارًا، وإن شاء قوّم خيله وأعطى عن كلّ مائتي درهمٍ خمسة دراهم‏.‏

زكاة سائر أصناف الحيوان

66 - ذهب عامّة الفقهاء إلى أنّه لا زكاة في سائر الحيوان غير ما تقدّم، ما لم تكن للتّجارة، فليس في البغال والحمير وغيرها زكاة‏.‏ واحتجّوا لذلك بما في الحديث ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الخيل فقال‏:‏ هي لرجلٍ أجر‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الحديث المتقدّم، ثمّ ‏{‏سئل عن الحمير، فقال‏:‏ لم ينزل عليّ فيها إلاّ هذه الآية الفاذّة‏:‏ ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرّةٍ خيرًا يره‏}‏‏}‏‏.‏

ثانيًا‏:‏ زكاة الذّهب والفضّة والعملات المعدنيّة والورقيّة

67 - أ - زكاة الذّهب والفضّة‏:‏ زكاة الذّهب والفضّة واجبة من حيث الجملة بإجماع الفقهاء، لقول اللّه تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏والّذين يكنزون الذّهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه فبشّرهم بعذابٍ أليمٍ يوم يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون‏}‏‏.‏ مع قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ما أدّيت زكاته فليس بكنزٍ‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ما من صاحب ذهبٍ ولا فضّةٍ لا يؤدّي منها حقًّا إلاّ إذا كان يوم القيامة صفّحت له صفائح من نارٍ فأحمي عليها في نار جهنّم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الحديث‏.‏ فالعذاب المذكور في الآية للكنز مطلقًا بيّن الحديث أنّه لمن منع زكاة النّقدين، فتقيّد به‏.‏

ما تجب فيه الزّكاة من الذّهب والفضّة

68 - تجب الزّكاة في الذّهب والفضّة إذا تمّت الشّروط العامّة للزّكاة المتقدّم بيانها من الحول والنّصاب وغيرهما في جميع أنواع الذّهب والفضّة سواء المضروب منها دنانير أو دراهم ‏(‏وقد يسمّى العين، والمسكوك‏)‏، وفي التّبر وهو غير المضروب، والسّبائك، وفي المصوغ منها على شكل آنيةٍ أو غيرها‏.‏ ولا يستثنى من ذلك إلاّ شيئان‏:‏ الأوّل‏:‏ الحليّ من الذّهب والفضّة الّذي يعدّه مالكه لاستعماله في التّحلّي استعمالًا مباحًا‏.‏ قال المالكيّة‏:‏ ولو لإعارةٍ أو إجارةٍ، فلا يكون فيه زكاة عند الجمهور ومنهم الشّافعيّة على المذهب، لأنّه من باب المقتنى للاستعمال كالملابس الخاصّة، وكالبقر العوامل‏.‏ وذهب الحنفيّة وهو قول مقابل للأظهر عند الشّافعيّة‏:‏ إلى وجوب الزّكاة في الحليّ، كغيرها من أنواع الذّهب والفضّة‏.‏ وينظر تفصيل القول في وجوبها وبيان الأدلّة في مصطلح ‏(‏حليّ‏)‏ أمّا المقادير الواجبة والنّصاب فتأتي في موضعها من هذا البحث‏.‏ الثّاني‏:‏ الذّهب والفضّة المستخرجان من المعادن ‏(‏من باطن الأرض‏)‏، فيجب فيهما الزّكاة بمجرّد الاستخراج إذا بلغ المستخرج نصابًا بدون اشتراط حولٍ، ويأتي تفصيل ذلك‏.‏

نصاب زكاة الذّهب والفضّة والقدر الواجب فيهما

69 - نصاب الذّهب‏:‏ نصاب الذّهب عند جمهور الفقهاء عشرون مثقالًا، فلا تجب الزّكاة في أقلّ منها، إلاّ أن يكون لمالكها فضّة أو عروض تجارةٍ يكمل بهما النّصاب عند من قال ذلك على ما سيأتي بيانه، ولم ينقل خلاف في ذلك إلاّ ما روي عن الحسن أنّ النّصاب أربعون مثقالًا‏.‏ وما روي عن عطاءٍ، وطاووسٍ، والزّهريّ وسليمان بن حربٍ، وأيّوب السّختيانيّ أنّ نصاب الذّهب معتبر بالفضّة، فما كان من الذّهب قيمته 200 درهمٍ ففيه الزّكاة، سواء كان أقلّ من ‏(‏20‏)‏ مثقالًا أو مساويةً لها أو أكثر منها، قالوا‏:‏ لأنّه لم يثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم تقدير في نصاب الذّهب، فيحمل نصابه على نصاب الفضّة‏.‏ واحتجّ الجمهور بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ليس في أقلّ من عشرين مثقالًا من الذّهب، ولا في أقلّ من مائتي درهمٍ صدقة‏}‏‏.‏ وفي حديث عمر وعائشة رضي الله عنهما ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كلّ عشرين دينارًا فصاعدًا نصف دينارٍ، ومن الأربعين دينارًا‏}‏‏.‏

نصاب الفضّة

70 - يقال للفضّة المضروبة ‏(‏ورق‏)‏ ‏(‏ورقّة‏)‏، وقيل‏:‏ تسمّى بذلك مضروبةً كانت أو غير مضروبةٍ، ونصاب الفضّة مائتا درهمٍ بالإجماع، وقد ورد فيه قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة‏}‏ والأوقيّة 40 ‏(‏أربعون‏)‏ درهمًا، وفي كتاب أنسٍ المرفوع ‏{‏وفي الرّقّة ربع العشر، فإن لم يكن إلاّ تسعين ومائةً فليس فيها شيء إلاّ أن يشاء ربّها‏}‏‏.‏ ثمّ الدّرهم المعتبر هو الدّرهم الشّرعيّ، وما زاد عنه أو نقص فبالوزن‏.‏ وقيل عند بعض الحنفيّة‏:‏ إنّ المعتبر في حقّ كلّ أهل بلدٍ دراهمهم بالعدد‏.‏

النّصاب في المغشوش من الذّهب والفضّة

71 - المغشوش من الذّهب أو الفضّة، وهو المسبوك مع غيره‏.‏ ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا زكاة فيه حتّى يبلغ خالصه نصابًا، لما في الحديث المتقدّم ‏{‏ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة‏}‏‏.‏ فإذا بلغه أخرج الواجب خالصًا أو أخرج من المغشوش ما يعلم اشتماله على خالصٍ بقدر الواجب مع مراعاة درجة الجودة‏.‏ وقال الحنفيّة‏:‏ إذا كان الغالب على الورق المضروب الفضّة فهو في حكم الفضّة، فتجب فيه الزّكاة كأنّه كلّه فضّةً، ولا تزكّى زكاة العروض، ولو كان قد أعدّها للتّجارة، قالوا‏:‏ لأنّ الدّراهم لا تخلو من قليل الغشّ، لأنّها لا تنطبع إلاّ به، والغلبة أن تزيد الفضّة على النّصف‏.‏ أمّا إن كان الغشّ غالبًا فلا يكون لها حكم الفضّة بل حكم العروض، فلا زكاة فيها إلاّ إن نواها للتّجارة، وبلغت نصابًا بالقيمة، فإن لم ينوها للتّجارة فإن كانت بحيث يخلّص منها فضّةً تبلغ نصابًا وجبت زكاتها، وإلاّ فلا‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ إن كانت الدّراهم والدّنانير المغشوشة رائجةً كرواج غير المغشوشة فإنّها تعامل مثل الكاملة سواءً، فتكون فيها الزّكاة إن بلغ وزنها بما فيها من الغشّ نصابًا، أمّا إن كانت غير رائجةٍ فالعبرة بما فيها من الذّهب أو الفضّة الخالصين على تقدير التّصفية، فإن بلغ نصابًا زكّي وإلاّ فلا‏.‏ وهذا الّذي تقدّم فيما كان الغشّ فيه نحاسًا أو غيره، أمّا الذّهب المغشوش بالفضّة فيعتبر عند الشّافعيّة والحنابلة كلّ جنسٍ منهما، فإن كان أحدهما نصابًا زكّي الجميع ولو لم يبلغ الآخر نصابًا، وكذا إن كانا بضمّ أحدهما إلى الآخر يكمل منهما نصاب، كأن يكون فيه ثلاثة أرباع نصاب ذهبٍ وربع نصاب فضّةٍ، وإلاّ فلا زكاة‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن بلغ الذّهب المخلوط بالفضّة نصاب الذّهب ففيه زكاة الذّهب، وإن بلغت الفضّة نصاب الفضّة ففيها زكاة الفضّة إن كانت الغلبة للفضّة، أمّا إن كانت الغلبة للذّهب فهو كلّه ذهب، لأنّه أعزّ وأغلى قيمةً‏.‏ ولم نجد للمالكيّة تعرّضًا لهذه المسألة‏.‏

القدر الواجب

72 - تؤخذ الزّكاة ممّا وجبت فيه من الذّهب والفضّة بنسبة ربع العشر ‏(‏5‏.‏ 2‏)‏ وهكذا بالإجماع، إلاّ أنّهم اختلفوا في الوقص‏.‏ فذهب الجمهور ومنهم الصّاحبان، إلى أنّه لا وقص في الذّهب والفضّة، فلو كان عنده ‏(‏210‏)‏ دراهم ففي المائتين خمسة دراهم، وفي الزّائد بحسابه، وهو في المثال ربع درهمٍ، لما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏إذا كانت مائتي درهمٍ ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك‏}‏‏.‏ ولأنّ الوقص في السّائمة لتجنّب التّشقيص، ولا يضرّ في النّقدين‏.‏ وذهب أبو حنيفة إلى أنّ الزّائد على النّصاب عفو لا شيء فيه حتّى يبلغ خمس نصابٍ‏.‏ فإذا بلغ الزّائد في الفضّة أربعين درهمًا فيكون فيها درهم، ثمّ لا شيء في الزّائد حتّى تبلغ أربعين درهمًا، وهكذا، وكذا في الذّهب لا شيء في الزّائد على العشرين مثقالًا حتّى يبلغ أربعة مثاقيل‏.‏ واحتجّ له ابن الهمام بحديث عمرو بن حزمٍ مرفوعًا ‏{‏ليس فيما دون الأربعين صدقة‏}‏‏.‏ وحديث معاذٍ ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمره أن لا يأخذ من الكسور شيئًا‏}‏‏.‏

ب - الزّكاة في الفلوس‏:‏

73 - الفلوس ما صنع من النّقود من معدنٍ غير الذّهب والفضّة‏.‏ وقد ذهب الحنفيّة إلى أنّ الفلوس إن كانت أثمانًا رائجةً أو سلعًا للتّجارة تجب الزّكاة في قيمتها، وإلاّ فلا‏.‏ وحكم الفلوس عند المالكيّة حكم العروض‏.‏ نقل البنانيّ عن المدوّنة‏:‏ من حال الحول على فلوسٍ عنده قيمتها مائتا درهمٍ فلا زكاة فيها إلاّ أن يكون مديرًا فيقوّمها كالعروض‏.‏ قالوا‏:‏ ويجزئ إخراج زكاتها منها ‏(‏أي فلوسًا‏)‏ على المشهور، وفي قولٍ‏:‏ لا يجوز‏;‏ لأنّها من العروض، والعروض يجب إخراج زكاتها بالقيمة دنانير من الذّهب، أو دراهم من الفضّة‏.‏ وعند الحنابلة إن كانت الفلوس للنّفقة فلا زكاة فيها، كعروض القنية، وإن كانت للتّجارة كالّتي عند الصّيارفة تزكّى زكاة القيمة، كسائر عروض التّجارة، ولا يجزئ إخراج زكاتها منها بل تخرج من ذهبٍ وفضّةٍ، كقولهم في العروض‏.‏

زكاة الموادّ الثّمينة الأخرى

74 - لا زكاة في الموادّ الثّمينة المقتناة إذا كانت من غير الذّهب والفضّة، وذلك كالجواهر من اللّؤلؤ والمرجان والزّمرّد والفيروز ونحوها، وكذا ما صنع من التّحف الثّمينة من حديدٍ أو نحاسٍ أو صفرٍ أو زجاجٍ أو غير ذلك، وإن حسنت صنعتها وكثرت قيمتها، فإن كانت عروض تجارةٍ ففيها الزّكاة على ما يأتي‏.‏

ج - زكاة الأوراق النّقديّة ‏(‏ورق النّوط‏)‏‏:‏

75 - إنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ الزّكاة في الأوراق النّقديّة واجبة، نظرًا لأنّها عامّة أموال النّاس ورءوس أموال التّجارات والشّركات وغالب المدّخرات، فلو قيل بعدم الزّكاة فيها لأدّى إلى ضياع الفقراء والمساكين، وقد قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وفي أموالهم حقّ للسّائل والمحروم‏}‏ ولا سيّما أنّها أصبحت عملةً نقديّةً متواضعًا عليها في جميع أنحاء العالم، وينبغي تقدير النّصاب فيها بالذّهب أو الفضّة‏.‏

ضمّ الذّهب إلى الفضّة في تكميل النّصاب، وضمّ عروض التّجارة إليهما

76 - ذهب الجمهور ‏(‏الحنفيّة والمالكيّة وهو رواية عن أحمد وقول الثّوريّ والأوزاعيّ‏)‏ إلى أنّ الذّهب والفضّة يضمّ أحدهما إلى الآخر في تكميل النّصاب، فلو كان عنده خمسة عشر مثقالًا من الذّهب، ومائة وخمسون درهمًا، فعليه الزّكاة فيهما، وكذا إن كان عنده من أحدهما نصاب، ومن الآخر مالًا يبلغ النّصاب يزكّيان جميعًا، واستدلّوا بأنّ نفعهما متّحد، من حيث إنّهما ثمنان، فمنهما القيم وأروش الجنايات، ويتّخذان للتّحلّي‏.‏ وذهب الشّافعيّة وهو رواية أخرى عن أحمد وقول أبي عبيدٍ وابن أبي ليلى وأبي ثورٍ إلى أنّه لا تجب في أحد الجنسين الزّكاة حتّى يكمل وحده نصابًا، لعموم حديث‏:‏ ‏{‏ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة‏}‏‏.‏ والقائلون بالضّمّ اختلفوا فذهب مالك وأبو يوسف ومحمّد وأحمد في روايةٍ إلى أنّ الضّمّ يكون بالأجزاء فلو كان عنده خمسة عشر مثقالًا ذهبًا، وخمسون درهمًا لوجبت الزّكاة‏;‏ لأنّ الأوّل نصاب، والثّاني 25 نصاب، فيكمل منهما نصاب، وكذا لو كان عنده ثلث نصابٍ من أحدهما وثلثان من الآخر ونحو ذلك‏.‏ وذهب أبو حنيفة إلى أنّه يضمّ أحدهما إلى الآخر بالتّقويم في أحدهما بالآخر بما هو أحظّ للفقراء، أي يضمّ الأكثر إلى الأقلّ، فلو كان عنده نصف نصاب فضّةٍ، وربع نصاب ذهبٍ تساوي قيمته نصف نصاب فضّةٍ فعليه الزّكاة‏.‏ أمّا العروض فتضمّ قيمتها إلى الذّهب أو الفضّة ويكمل بها نصاب كلٍّ منهما‏.‏ قال ابن قدامة‏:‏ لا نعلم في ذلك خلافًا‏.‏ وفي هذا المعنى العملة النّقديّة المتداولة‏.‏

ثالثًا‏:‏ زكاة عروض التّجارة

77 - التّجارة تقليب المال بالبيع والشّراء لغرض تحصيل الرّبح‏.‏ والعرض بسكون الرّاء، هو كلّ مالٍ سوى النّقدين، قال الجوهريّ‏:‏ العرض المتاع، وكلّ شيءٍ فهو عرض سوى الدّراهم والدّنانير فإنّهما عين، وقال أبو عبيدٍ‏:‏ العروض الأمتعة الّتي لا يدخلها كيل ولا وزن ولا يكون حيوانًا ولا عقارًا‏.‏ أمّا العرض بفتحتين فهو شامل لكلّ أنواع المال، قلّ أو كثر، قال أبو عبيدة‏:‏ جميع متاع الدّنيا عرض‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏{‏ليس الغنى عن كثرة العرض‏}‏‏.‏ وعروض التّجارة جمع العرض بسكون الرّاء، وهي في اصطلاح الفقهاء كلّ ما أعدّ للتّجارة كائنةً ما كانت سواء من جنسٍ تجب فيه زكاة العين كالإبل والغنم والبقر، أو لا، كالثّياب والحمير والبغال‏.‏ حكم الزّكاة في عروض التّجارة‏:‏

78 - جمهور الفقهاء على أنّ المفتى به هو وجوب الزّكاة في عروض التّجارة، واستدلّوا لذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمنوا أنفقوا من طيّبات ما كسبتم‏}‏ وبحديث سمرة‏:‏ ‏{‏كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصّدقة من الّذي نعدّ للبيع‏}‏‏.‏ وحديث أبي ذرٍّ مرفوعًا‏:‏ ‏{‏في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البزّ صدقتها‏}‏ وقال حماس‏:‏ مرّ بي عمر فقال‏:‏ أدّ زكاة مالك‏.‏ فقلت‏:‏ ما لي إلاّ جعاب أدمٍ‏.‏ فقال‏:‏ قوّمها ثمّ أدّ زكاتها‏.‏ ولأنّها معدّة للنّماء بإعداد صاحبها فأشبهت المعدّ لذلك خلقةً كالسّوائم والنّقدين‏.‏

شروط وجوب الزّكاة في العروض

الشّرط الأوّل‏:‏ أن لا يكون لزكاتها سبب آخر غير كونها عروض تجارةٍ‏:‏

أ - ‏(‏السّوائم الّتي للتّجارة‏)‏‏:‏

79 - فلو كان لديه سوائم للتّجارة بلغت نصابًا، فلا تجتمع زكاتان إجماعًا، لحديث‏:‏ ‏{‏لا ثني في الصّدقة‏}‏ بل يكون فيها زكاة العين عند المالكيّة والشّافعيّة في الجديد، كأن كان عنده خمس من الإبل للتّجارة ففيها شاة، ولا تعتبر القيمة، فإن كانت أقلّ من خمسٍ فإنّها تقوّم فإن بلغت نصابًا من الأثمان وجبت فيها زكاة القيمة‏.‏ وإنّما قدّموا زكاة العين على زكاة التّجارة لأنّ زكاة العين أقوى ثبوتًا لانعقاد الإجماع عليها، واختصاص العين بها، فكانت أولى‏.‏ وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّها تزكّى زكاة التّجارة لأنّها أحظّ للمساكين‏;‏ لأنّها تجب فيما زاد بالحساب، لكن قال الحنابلة‏:‏ إن بلغت عنده نصاب سائمةٍ ولم تبلغ قيمته نصابًا من الأثمان فلا تسقط الزّكاة، بل تجب زكاة السّائمة، كمن عنده خمس من الإبل للتّجارة لم تبلغ قيمتها مائتي درهمٍ، ففيها شاة‏.‏ ونظير هذا عند الفقهاء غلّة مال التّجارة، كأن يكون ثمرًا ممّا تجب فيه الزّكاة إن كان الشّجر للتّجارة‏.‏

ب - الحليّ والمصنوعات الذّهبيّة والفضّيّة الّتي للتّجارة‏:‏

80 - أمّا المصوغات من الذّهب والفضّة إن كانت للتّجارة، فقد ذهب المالكيّة إلى أنّه ليس فيها زكاة إن كانت أقلّ من نصابٍ بالوزن، ولو زادت قيمتها عن نصابٍ بسبب الجودة أو الصّنعة، ويزكّى على أساس القيمة الشّاملة أيضًا لما فيه من الجواهر المرصّعة‏.‏ أمّا الحنابلة فقد صرّحوا بأنّ الصّناعة المحرّمة لا تقوّم لعدم الاعتداد بها شرعًا، أمّا الصّنعة المباحة فتدخل في التّقويم إن كان الحليّ للتّجارة، ويعتبر النّصاب بالقيمة كسائر أموال التّجارة، ويقوّم بنقدٍ آخر من غير جنسه، فإن كان من ذهبٍ قوّم بفضّةٍ، وبالعكس، إن كان تقويمه بنقدٍ آخر أحظّ للفقراء، أو نقص عن نصابه، كخواتم فضّةٍ لتجارةٍ زنتها ‏(‏مائة وتسعون درهمًا‏)‏ وقيمتها ‏(‏عشرون‏)‏ مثقالًا ذهبًا، فيزكّيها بربع عشر قيمتها، فإن كان وزنها ‏(‏مائتي‏)‏ درهمٍ، وقيمتها تسعة عشر مثقالًا وجب أن لا تقوّم، وأخرج ربع عشرها‏.‏ ويظهر من كلام ابن عابدين أنّ مذهب الحنفيّة أنّ العبرة في الحليّ والمصنوع من النّقدين بالوزن من حيث النّصاب ومن حيث قدر المخرج، وعند زفر المعتبر القيمة، وعند محمّدٍ الأنفع للفقراء‏.‏ وعند الشّافعيّة في مصوغ الذّهب والفضّة الّذي للتّجارة هل يزكّى زكاة العين أو زكاة القيمة قولان‏.‏

ج - الأراضي الزّراعيّة الّتي للتّجارة وما يخرج منها‏:‏

81 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه تجب الزّكاة في الخارج من الأرض الزّراعيّة من ثمرٍ أو زرعٍ، ولا يجب الزّكاة في قيمة الأرض العشريّة ولو كانت للتّجارة، وهذا إن كان قد زرع الأرض العشريّة فعلًا ووجب فيها العشر‏;‏ لئلاّ يجتمع حقّان للّه تعالى في مالٍ واحدٍ‏.‏ فإن لم يزرعها تجب زكاة التّجارة فيها لعدم وجوب العشر، فلم يوجد المانع، بخلاف الخراج الموظّف فإنّه يجب فيها ولو عطّلت أي لأنّه كالأجرة‏.‏ أمّا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة فيجب زكاة رقبة الأرض كسائر عروض التّجارة بكلّ حالٍ‏.‏ ثمّ اختلف الجمهور في كيفيّة تزكية الغلّة‏.‏ فمذهب المالكيّة أنّ النّاتج من الأرض الزّراعيّة الّتي للتّجارة لا زكاة في قيمته في عامه اتّفاقًا إن كانت قد وجبت فيه زكاة النّبات، فإن لم تكن فيه لنقصه عن نصاب الزّرع أو الثّمر، تجب فيه زكاة التّجارة، وكذا في عامه الثّاني وما بعده‏.‏ وقال الشّافعيّة على الأصحّ عندهم والقاضي من الحنابلة‏:‏ يزكّى الجميع زكاة القيمة، لأنّه كلّه مال تجارةٍ، فتجب فيه زكاة التّجارة، كالسّائمة المعدّة للتّجارة‏.‏ قال الشّافعيّة‏:‏ ويزكّى التّبن أيضًا والأغصان والأوراق وغيرها إن كان لها قيمة، كسائر مال التّجارة‏.‏ وذهب الحنابلة وأبو ثورٍ إلى أنّه يجتمع في العشريّة العشر وزكاة التّجارة، لأنّ زكاة التّجارة في القيمة، والعشر في الخارج، فلم يجتمعا في شيءٍ واحدٍ‏;‏ ولأنّ زكاة العشر في الغلّة أحظّ للفقراء من زكاة التّجارة فإنّها ربع العشر، ومن هنا فارقت عندهم زكاة السّائمة المتّجر بها، فإنّ زكاة السّوم أقلّ من زكاة التّجارة‏.‏

الشّرط الثّاني‏:‏ تملّك العرض بمعاوضةٍ‏:‏

82 - يشترط أن يكون قد تملّك العرض بمعاوضةٍ كشراءٍ بنقدٍ أو عرضٍ أو بدينٍ حالٍّ أو مؤجّلٍ، وكذا لو كان مهرًا أو عوض خلعٍ‏.‏ وهذا مذهب المالكيّة والشّافعيّة، ومحمّدٍ، فلو ملكه بإرثٍ أو بهبةٍ أو احتطابٍ أو استردادٍ بعيبٍ واستغلال أرضه بالزّراعة أو نحو ذلك فلا زكاة فيه‏.‏ قالوا‏:‏ لأنّ التّجارة كسب المال ببدلٍ هو مال، وقبول الهبة مثلًا اكتساب بغير بدلٍ أصلًا‏.‏ وعند الشّافعيّة في مقابل الأصحّ أنّ المهر وعوض الخلع لا يزكّيان زكاة التّجارة‏.‏ وقال الحنابلة وأبو يوسف‏:‏ الشّرط أن يكون قد ملكه بفعله، سواء كان بمعاوضةٍ أو غيرها من أفعاله، كالاحتطاب وقبول الهبة، فإن دخل في ملكه بغير فعله، كالموروث، أو مضيّ حول التّعريف في اللّقطة، فلا زكاة فيه‏.‏ وفي روايةٍ عن أحمد‏:‏ لا يعتبر أن يملك العرض بفعله، ولا أن يكون في مقابلة عوضٍ، بل أيّ عرضٍ نواه للتّجارة كان لها، لحديث سمرة‏:‏ ‏{‏أمرنا النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن نخرج الصّدقة من الّذي نعدّ للبيع‏}‏‏.‏

الشّرط الثّالث‏:‏ نيّة التّجارة‏:‏

83 - اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في زكاة مال التّجارة أن يكون قد نوى عند شرائه أو تملّكه أنّه للتّجارة، والنّيّة المعتبرة هي ما كانت مقارنةً لدخوله في ملكه‏;‏ لأنّ التّجارة عمل فيحتاج إلى النّيّة مع العمل، فلو ملكه للقنية ثمّ نواه للتّجارة لم يصر لها، ولو ملك للتّجارة ثمّ نواه للقنية وأن لا يكون للتّجارة صار للقنية، وخرج عن أن يكون محلًّا للزّكاة ولو عاد فنواه للتّجارة لأنّ ترك التّجارة، من قبيل التّروك، والتّرك يكتفى فيه بالنّيّة كالصّوم‏.‏ قال الدّسوقيّ‏:‏ ولأنّ النّيّة سبب ضعيف تنقل إلى الأصل ولا تنقل عنه، والأصل في العروض القنية‏.‏ وقال ابن الهمام‏:‏ لمّا لم تكن العروض للتّجارة خلقةً فلا تصير لها إلاّ بقصدها فيه‏.‏ واستثنى الحنفيّة ممّا يحتاج للنّيّة ما يشتريه المضارب، فإنّه يكون للتّجارة مطلقًا‏;‏ لأنّه لا يملك بمال المضاربة غير المتاجرة به‏.‏ ولو أنّه آجر داره المشتراة للتّجارة بعرضٍ، فعند بعض الحنفيّة لا يكون العرض للتّجارة إلاّ بنيّتها، وقال بعضهم‏:‏ هو للتّجارة بغير نيّةٍ‏.‏ قال المالكيّة‏:‏ ولو قرن بنيّة التّجارة نيّة استغلال العرض، بأن ينوي عند شرائه أن يكريه وإن وجد ربحًا باعه، ففيه الزّكاة على المرجّح عندهم، وكذا لو نوى مع التّجارة القنية بأن ينوي الانتفاع بالشّيء كركوب الدّابّة أو سكنى المنزل ثمّ إن وجد ربحًا باعه‏.‏ قالوا‏:‏ فإن ملكه للقنية فقط، أو للغلّة فقط أو لهما، أو بلا نيّةٍ أصلًا فلا زكاة عليه‏.‏

الشّرط الرّابع‏:‏ بلوغ النّصاب‏:‏

84 - ونصاب العروض بالقيمة، ويقوّم بذهبٍ أو فضّةٍ، فلا زكاة في ما يملكه الإنسان من العروض إن كانت قيمتها أقلّ من نصاب الزّكاة في الذّهب أو الفضّة، ما لم يكن عنده من الذّهب أو الفضّة نصاب أو تكملة نصابٍ‏.‏ وتضمّ العروض بعضها إلى بعضٍ في تكميل النّصاب وإن اختلفت أجناسها‏.‏ واختلف الفقهاء فيما تقوّم به عروض التّجارة‏:‏ بالذّهب أم بالفضّة‏.‏ فذهب الحنابلة وأبو حنيفة في روايةٍ عنه عليها المذهب، إلى أنّها تقوّم بالأحظّ للفقراء، فإن كان إذا قوّمها بأحدهما لا تبلغ نصابًا وبالآخر تبلغ نصابًا تعيّن عليه التّقويم بما يبلغ نصابًا‏.‏ وقال أبو حنيفة في روايةٍ عنه‏:‏ يخيّر المالك فيما يقوّم به لأنّ الثّمنين في تقدير قيم الأشياء بهما سواء‏.‏ وقال الشّافعيّة وأبو يوسف‏:‏ يقوّمها بما اشترى به من النّقدين، وإن اشتراها بعرضٍ قوّمها بالنّقد الغالب في البلد، وقال محمّد‏:‏ يقوّمها بالنّقد الغالب على كلّ حالٍ كما في المغصوب والمستهلك‏.‏ ولم نجد عند المالكيّة تعرّضًا لما تقوّم به السّلع، مع أنّهم قالوا‏:‏ إنّها لا زكاة فيها ما لم تبلغ نصابًا

نقص قيمة التّجارة في الحول عن النّصاب

85 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة على القول المنصوص إلى أنّ المعتبر في وجوب الزّكاة القيمة في آخر الحول، فلو كانت قيمة العروض في أوّل الحول أقلّ من نصابٍ ثمّ بلغت في آخر الحول نصابًا وجبت فيها الزّكاة، وهذا خلافًا لزكاة العين فلا بدّ فيها عندهم من وجود النّصاب في الحول كلّه‏.‏ قالوا‏:‏ لأنّ الاعتبار في العروض بالقيمة، ويعسر مراعاتها كلّ وقتٍ لاضطراب الأسعار ارتفاعًا وانخفاضًا فاكتفي باعتبارها في وقت الوجوب، قال الشّافعيّة‏:‏ فلو تمّ الحول وقيمة العرض أقلّ من نصابٍ فإنّه يبطل الحول الأوّل ويبتدئ حول جديد‏.‏ وقال الحنفيّة وهو قول ثانٍ للشّافعيّة‏:‏ المعتبر طرفا الحول، لأنّ التّقويم يشقّ في جميع الحول فاعتبر أوّله للانعقاد وتحقّق الغنى، وآخره للوجوب، ولو انعدم بهلاك الكلّ في أثناء الحول بطل حكم الحول‏.‏ وقال الحنابلة وهو قول ثالث للشّافعيّة‏:‏ المعتبر كلّ الحول كما في النّقدين، فلو نقصت القيمة في أثناء الحول لم تجب الزّكاة، ولو كانت قيمة العرض من حين ملكه أقلّ من نصابٍ فلا ينعقد الحول عليه حتّى تتمّ قيمته نصابًا، والزّيادة معتبرة سواء كانت بارتفاع الأسعار، أو بنماء العرض، أو بأن باعها بنصابٍ، أو ملك عرضًا آخر أو أثمانًا كمّل بها النّصاب‏.‏

الشّرط الخامس‏:‏ الحول‏:‏

86 - والمراد أن يحول الحول على عروض التّجارة، فما لم يحل عليها الحول فلا زكاة فيها، وهذا إن ملكها بغير معاوضةٍ، أو بمعاوضةٍ غير ماليّةٍ كالخلع، عند من قال بذلك، أو اشتراها بعرض قنيةٍ، أمّا إن اشتراها بمالٍ من الأثمان أو بعرضٍ تجارةٍ آخر، فإنّه يبني حول الثّاني على حول الأوّل‏;‏ لأنّ مال التّجارة تتعلّق الزّكاة بقيمته، وقيمته هي الأثمان نفسها‏;‏ ولأنّ النّماء في التّجارة يكون بالتّقليب‏.‏ فإن أبدل عرض التّجارة بعرضٍ قنيةٍ أو بسائمةٍ لم يقصد بها التّجارة فإنّ حول زكاة التّجارة ينقطع‏.‏ وربح التّجارة في الحول يضمّ إلى الأصل فيزكّي الأصل والرّبح عند آخر الحول‏.‏ فإذا حال الحول وجب على المالك تقويم عروضه وإخراج زكاتها عند الجمهور، ولمالكٍ تفصيل بين المحتكر لتجارته والمدير لها يأتي تفصيله في الشّرط التّالي‏.‏

الشّرط السّادس‏:‏ تقويم السّلع‏:‏

87 - يرى المالكيّة أنّ التّاجر إمّا أن يكون محتكرًا أو مديرًا، والمحتكر هو الّذي يرصد بسلعه الأسواق وارتفاع الأسعار، والمدير هو من يبيع بالسّعر الحاضر ثمّ يخلفه بغيره وهكذا، كالبقّال ونحوه‏.‏ فالمحتكر يشترط لوجوب الزّكاة عليه أن يبيع بذهبٍ أو فضّةٍ يبلغ نصابًا، ولو في مرّاتٍ، وبعد أن يكمل ما باع به نصابًا يزكّيه ويزكّي ما باع به بعد ذلك وإن قلّ، فلو أقام العرض عنده سنين فلم يبع ثمّ باعه فليس عليه فيه إلاّ زكاة عامٍ واحدٍ يزكّي ذلك المال الّذي يقبضه‏.‏ أمّا المدير فلا زكاة عليه حتّى يبيع بشيءٍ ولو قلّ، كدرهمٍ، وعلى المدير الّذي باع ولو بدرهمٍ أن يقوّم عروض تجارته آخر كلّ حولٍ ويزكّي القيمة، كما يزكّي النّقد‏.‏ وإنّما فرّق مالك بين المدير والمحتكر لأنّ الزّكاة شرعت في الأموال النّامية، فلو زكّى السّلعة كلّ عامٍ - وقد تكون كاسدةً - نقصت عن شرائها، فيتضرّر، فإذا زكّيت عند البيع فإن كانت ربحت فالرّبح كان كامنًا فيها فيخرج زكاته‏;‏ ولأنّه ليس على المالك أن يخرج زكاة مالٍ من مالٍ آخر‏.‏ وبهذا يتبيّن أنّ تقويم السّلع عند المالكيّة هو للتّاجر المدير خاصّةً دون التّاجر المحتكر، وأنّ المحتكر ليس عليه لكلّ حولٍ زكاة فيما احتكره بل يزكّيه لعامٍ واحدٍ عند بيعه وقبض ثمنه‏.‏ أمّا عند سائر العلماء فإنّ المحتكر كغيره، عليه لكلّ حولٍ زكاة‏.‏

كيفيّة التّقويم والحساب في زكاة التّجارة

أ - ما يقوّم من السّلع وما لا يقوّم‏:‏

88 - الّذي يقوّم من العروض هو ما يراد بيعه دون ما لا يعدّ للبيع، فالرّفوف الّتي يضع عليها السّلع لا زكاة فيها‏.‏ وممّا ذكره الحنفيّة من ذلك أنّ تاجر الدّوابّ إن اشترى لها مقاود أو براذع، فإن كان يبيع هذه الأشياء معها ففيها الزّكاة، وإن كانت لحفظ الدّوابّ بها فلا زكاة فيها‏.‏ وكذلك العطّار لو اشترى قوارير، فما كان من القوارير لحفظ العطر عند التّاجر فلا زكاة فيها، وما كان يوضع فيها العطر للمشتري ففيها الزّكاة‏.‏ وموادّ الوقود كالحطب، ونحوه، وموادّ التّنظيف كالصّابون ونحوه الّتي أعدّها الصّانع ليستهلكها في صناعته لا ليبيعها فلا زكاة فيما لديه منها، والموادّ الّتي لتغذية دوابّ التّجارة لا تجب فيها الزّكاة‏.‏ وذكر المالكيّة أنّه لا زكاة في الأواني الّتي تدار فيها البضائع، ولا الآلات الّتي تصنع بها السّلع، والإبل الّتي تحملها، إلاّ أن تجب الزّكاة في عينها‏.‏ وذكر الشّافعيّة أنّ الموادّ الّتي للصّباغة أو الدّباغة، والدّهن للجلود، فيها الزّكاة، بخلاف الملح للعجين أو الصّابون للغسل فلا زكاة فيهما لهلاك العين، وذكر الحنابلة نحو ذلك‏.‏

ب - تقويم الصّنعة في الموادّ الّتي يقوّم صاحبها بتصنيعها‏:‏

89 - الموادّ الخام الّتي اشتراها المالك وقام بتصنيعها يستفاد من كلام المالكيّة أنّها تقوّم على الحال الّتي اشتراها عليها صاحبها، أي قبل تصنيعها، وذلك بيّن، على قول من يشترط في وجوب الزّكاة في العروض أن يملكها بمعاوضةٍ‏;‏ لأنّ هذا قد ملكها بغير معاوضةٍ بل بفعله‏.‏ ونصّ البنانيّ ‏"‏ الحكم أنّ الصّنّاع يزكّون ما حال على أصله الحول من مصنوعاتهم إذا كان نصابًا ولا يقوّمون صناعتهم ‏"‏ قال ابن لبٍّ‏:‏ لأنّها فوائد كسبهم استفادوها وقت بيعهم‏.‏

السّعر الّذي تقوّم به السّلع

90 - صرّح الحنفيّة أنّ عروض التّجارة يقوّمها المالك على أساس سعر البلد الّذي فيه المال، وليس الّذي فيه المالك، أو غيره ممّن له بالمال علاقة، ولو كان في مفازةٍ تعتبر قيمته في أقرب الأمصار‏.‏ وتعتبر القيمة يوم الوجوب في قول أبي حنيفة لأنّه في الأصل بالخيار بين الإخراج من العين وأداء القيمة، ويجبر المصدّق على قبولها، فيستند إلى وقت ثبوت الخيار وهو وقت الوجوب‏.‏ وقال الصّاحبان‏:‏ المعتبر القيمة يوم الأداء‏;‏ لأنّ الواجب عندهما جزء من العين، وله ولاية منعها إلى القيمة، فتعتبر يوم المنع كما في الوديعة‏.‏

زيادة سعر البيع عن السّعر المقدّر

91 - إن قوّم سلعةً لأجل الزّكاة وأخرجها على أساس ذلك، فلمّا باعها زاد ثمنها على القيمة، فقد صرّح المالكيّة بأنّه لا زكاة في هذه الزّيادة بل هي ملغاة‏;‏ لاحتمال ارتفاع سعر السّوق، أو لرغبة المشتري، أمّا لو تحقّق أنّه غلط في التّقويم فإنّها لا تلغى لظهور الخطأ قطعًا‏.‏ وكذا صرّح الشّافعيّة بأنّ الزّيادة عن التّقويم لا زكاة فيها عن الحول السّابق‏.‏

التّقويم للسّلع البائرة

92 - مقتضى مذهب الجمهور أنّه لا فرق في التّقويم، بين السّلع البائرة وغيرها‏.‏ أمّا المالكيّة فقد ذكروا أنّ السّلع الّتي لدى التّاجر المدير إذا بارت فإنّه يدخلها في التّقويم ويؤدّي زكاتها كلّ عامٍ إذا تمّت الشّروط‏;‏ لأنّ بوارها لا ينقلها للقنية ولا للاحتكار، وهذا هو المشهور عندهم وهو قول ابن القاسم‏.‏ وذهب ابن نافعٍ وسحنون إلى أنّ السّلع إذا بارت تنتقل للاحتكار، وخصّ اللّخميّ وابن يونس الخلاف بما إذا بار الأقلّ، أمّا إذا بار النّصف أو الأكثر فلا يقوّم اتّفاقًا عندهم، ومقتضى ذلك أن لا زكاة فيها إلاّ إذا باع قدر نصابٍ فيزكّيه، ثمّ كلّما باع شيئًا زكّاه كما تقدّم‏.‏

التّقويم للسّلع المشتراة الّتي لم يدفع التّاجر ثمنها

93 - ذهب المالكيّة إلى أنّ التّاجر المدير لا يقوّم - لأجل الزّكاة - من سلعه إلاّ ما دفع ثمنه، أو حال عليه الحول عنده وإن لم يدفع ثمنه، وحكمه في ما لم يدفع ثمنه حكم من عليه دين وبيده مال‏.‏ وأمّا ما لم يدفع ثمنه ولم يحل عليه الحول عنده فلا زكاة عليه فيه، ولا يسقط عنه من زكاة ما حال حوله عنده شيء بسبب دين ثمن هذا العرض الّذي لم يحل حوله عنده، إن لم يكن عنده ما يجعله في مقابلته‏.‏

تقويم دين التّاجر النّاشئ عن التّجارة

94 - ما كان للتّاجر من الدّين المرجوّ إن كان سلعًا عينيّةً - أي من غير النّقدين - فإنّه عند المالكيّة إن كان مديرًا - لا محتكرًا - يقوّمه بنقدٍ حالٍّ، ولو كان الدّين طعام سلمٍ، ولا يضرّ تقويمه لأنّه ليس بيعًا له حتّى يؤدّي إلى بيع الطّعام قبل قبضه‏.‏ وإن كان الدّين المرجوّ من أحد النّقدين وكان مؤجّلًا، فإنّه يقوّمه بعرضٍ، ثمّ يقوّم العرض بنقدٍ حالٍّ، فيزكّي تلك القيمة لأنّها الّتي تملك لو قام على المدين غرماؤه‏.‏ أمّا الدّين غير المرجوّ فلا يقوّمه ليزكّيه حتّى يقبضه، فإن قبضه زكّاه لعامٍ واحدٍ‏.‏ وأمّا عند الجمهور فلم يذكروا هذه الطّريقة، فالظّاهر عندهم أنّ الدّين المؤجّل يحسب للزّكاة بكماله إذا كان على مليءٍ مقرٍّ‏.‏

إخراج زكاة عروض التّجارة نقدًا أو من أعيان المال

95 - الأصل في زكاة التّجارة أن يخرجها نقدًا بنسبة ربع العشر من قيمتها، كما تقدّم، لقول عمر رضي الله عنه لحماسٍ‏:‏ قوّمها ثمّ أدّ زكاتها‏.‏ فإن أخرج زكاة القيمة من أحد النّقدين أجزأ اتّفاقًا‏.‏ وإن أخرج عروضًا عن العروض فقد اختلف الفقهاء في جواز ذلك‏.‏ فقال الحنابلة وهو ظاهر كلام المالكيّة وقول الشّافعيّ في الجديد وعليه الفتوى‏:‏ لا يجزئه ذلك، واستدلّوا بأنّ النّصاب معتبر بالقيمة، فكانت الزّكاة من القيمة، كما إنّ البقر لمّا كان نصابها معتبرًا بأعيانها، وجبت الزّكاة من أعيانها، وكذا سائر الأموال غير التّجارة‏.‏ وأمّا عند الحنفيّة وهو قول ثانٍ للشّافعيّة قديم‏:‏ يتخيّر المالك بين الإخراج من العرض أو من القيمة فيجزئ إخراج عرضٍ بقيمة ما وجب عليه من زكاة العروض، قال الحنفيّة‏:‏ وكذلك زكاة غيرها من الأموال حتّى النّقدين والماشية ولو كانت للسّوم لا للتّجارة، ويأتي تفصيل ذلك إن شاء اللّه‏.‏ وفي قولٍ ثالثٍ للشّافعيّة قديمٍ‏:‏ أنّ زكاة العروض تخرج منها لا من ثمنها، فلو أخرج من الثّمن لم يجزئ‏.‏

زكاة مال التّجارة الّذي بيد المضارب

96 - من أعطى ماله مضاربةً لإنسانٍ فربح فزكاة رأس المال على ربّ المال اتّفاقًا، أمّا الرّبح فقد اختلف فيه فظاهر كلام الحنفيّة أنّ على المضارب زكاة حصّته من الرّبح إن ظهر في المال ربح وتمّ نصيبه نصابًا‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّ مال القراض يزكّي منه ربّ المال رأس ماله وحصّته من الرّبح كلّ عامٍ، وهذا إن كان تاجرًا مديرًا، وكذا إن كان محتكرًا وكان عامل القراض مديرًا، وكان ما بيده من مال ربّ المال الأكثر، وما بيد ربّه المحتكر الأقلّ‏.‏ وأمّا العامل فلا يجب عليه زكاة حصّته إلاّ بعد المفاصلة فيزكّيها إذا قبضها لسنةٍ واحدةٍ‏.‏ وذهب الشّافعيّة على الأظهر إلى أنّ زكاة المال وربحه كلّها على صاحب المال، فإن أخرجها من مال القراض حسبت من الرّبح‏;‏ لأنّها من مئونة المال وذلك لأنّ المال ملكه، ولا يملك العامل شيئًا ولو ظهر في المال ربح حتّى تتمّ القسمة‏.‏ هذا على القول بأنّ العامل لا يملك بالظّهور، أمّا على القول بأنّه يملك بالظّهور فالمذهب أنّ على العامل زكاة حصّته‏.‏ وذهب الحنابلة إلى أنّ على صاحب المال زكاة المال كلّه ما عدا نصيب العامل‏;‏ لأنّ نصيب العامل ليس لربّ المال ولا تجب على الإنسان زكاة مال غيره‏.‏ ويخرج الزّكاة من المال لأنّه من مئونته، وتحسب من الرّبح‏;‏ لأنّه وقاية لرأس المال‏.‏ وأمّا العامل فليس عليه زكاة في نصيبه ما لم يقتسما، فإذا اقتسما استأنف العامل حولًا من حينئذٍ‏.‏ وقال أبو الخطّاب من الحنابلة‏:‏ يحتسب من حين ظهور الرّبح، ولا تجب عليه إخراج زكاته حتّى يقبضه‏.‏